الشيخ محمد الصادقي

514

البلاغ في تفسير القرآن بالقرآن

24 - وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وأنتم المهاجمون للفتح وهم أكثر منكم عدة وعدة ، ثم وَ كف أَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ وعمقها مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ وما أحسن السنة الرسولية ألا انتقام فيها ، وإنما دفاع ليس إلا ، رغم أن سكرة النصر تحمل على كل انتقام ، ولكن كفّ أيديكم عنهم كفّ عنهم دوام الكفر ، وقرّبهم إلى الإسلام أو الاستسلام لأمد قريب ، كما استوثقت الجزيرة كلها بالإسلام وَكانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيراً . 25 - ذلك مع أنهم هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثم وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ طول سنين وَ صدوا الْهَدْيَ حال كونه مَعْكُوفاً أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ وفعلوا ما فعلوا بكم طيلة المقام بمكة وبعد الهجرة ، مما يحرضكم بطبيعة الحال ، وحتى السماح إسلاميا ظاهرا ، أن تعتدوا عليهم بمثل ما اعتدوا عليكم ، ولكنما المصلحة الفوقية هنا اقتضت أن تكفوا أيديكم بما كف اللّه تأييدا وَلَوْ لا رِجالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِساءٌ مُؤْمِناتٌ فيهم إذ لم يهاجروا لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَؤُهُمْ قتالا فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لزهوة النصرة وعمى الغلبة ، لكان اعتداءكم بالمثل ، ولكن لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ من المغلوبين وكما أسلموا و لَوْ تَزَيَّلُوا هؤلاء المؤمنون والمؤمنات ، تميزا بين المؤمنين والكافرين ، دون خلط أو غلط لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ بعد الفتح وقبله عَذاباً أَلِيماً إذ لم يؤثر الكف عنهم إسلاميا منهم مهما كان بظاهر الحال ، فذلك الكف كان لهذين الأمرين . 26 - ومتى كفروا وصدوا . . ؟ إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ الحتمية حَمِيَّةَ الْجاهِلِيَّةِ الحمقاء ، فلا يزول عنهم الضلال والدلال فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ كفا لأيديهم عنهم قبل الفتح وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوى - إذا - اتقاء عن الهجمة الجماهيرية وَكانُوا هم أَحَقَّ بِها وَأَهْلَها الآهلين لها في مثل هذه الحالة المزرية ضد المسلمين وَكانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً فيوفق الرسول والمؤمنين بكلمة التقوى هذه . 27 - لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالْحَقِّ بداية وغاية وسببا ومصاحبة ونهاية ، أن لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ من كل بأس ، حالكونكم مُحَلِّقِينَ رُؤُسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ ثم " مُحَلِّقِينَ أو مُقَصِّرِينَ " و لا تَخافُونَ بأسا أبدا فَعَلِمَ اللّه ما لَمْ تَعْلَمُوا من الفتح الموعود فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذلِكَ الصدق في الرؤيا فَتْحاً قَرِيباً وهنا نرى ضما بين صلح الحديبية وفتح مكة ، وكلاهما فتح مهما كان الأول تقدمة للثاني ، ثم وقد يكون مؤمنون في أصلاب كافرين مستحقين للقتل ، فلا يقتلون حتى يولد هؤلاء ثم يقتلون ، وهنا عمرة القضاء في صلح قبل الفتح هي مما يخير المعتمر بعد السعي بين الحلق والتقصير ، إذا كانت مفردة . 28 - هُوَ اللّه الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ الوحيد محمدا ( ص ) كأنه هو الرسول فقط دون الرسل كلهم ، وكما في ( 82 ) آية أخرى بِالْهُدى كلها ، كما له الرسالة كلها وَدِينِ الْحَقِّ كله ، لا " الدين الحق " فإنه حق في كافة الشرايع ، ولكن هذا هو " دِينِ الْحَقِّ " كله ، ثابتا إلى يوم الدين لِيُظْهِرَهُ غلبة عالمية عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ كتابيا وسواه ، ولا يتحقق ذلك إلا في دولة المهدي عليه السلام وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً لذلك الإظهار والظهور ، أجل : " هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ . . وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ " * ( 61 : 9 ) " . . وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ " * ( 9 : 33 ) فقد " كَفى بِاللَّهِ شَهِيداً " لذلك الإنتصار " وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ " * ككل و " الْمُشْرِكُونَ " * بخصوصهم .